أحمد الله كثيرا أننى عاصرت ـ فى مرحلة شبابى ـ
المرأة المصرية حينما كانت مُعَزّزَة مُكَرّمَة.. وكان الجميع ينظرون لها
ويعاملونها بإحترام كامل.. ولم تكن تتعرض بتاتا للقهر وسوء المعاملة الذى تتعرض له
فى هذه الأيام!
كان المبدأ السائد فى أيامنا "السيدات
أولا" "Ladies
First".. وبناء على ذلك.. كان
الرجال فى الطريق يتنحون لكى يسمحوا للمرأة بالمرور.. وكانوا يتركوا مقاعدهم فى
وسائل النقل وفى أى مكان عام.. لكى تجلس المرأة.. بل إن الكمسارى فى الأوتوبيس كان
ينبه السائق ويقول بصوت عالى" كعب عالى.. طالع أو نازل" فلا يتحرك السائق بالعربة إلا بعد الإطمئنان
على انتهاء المرأة من الركوب أو النزول!
وكانت النساء يرتدين أحدث المودات.. ويذهبن
للكوافيرات لعمل أجمل التسريحات.. ولم يكن يُواجَهْن بأى اعتراض أو انتقاد.. سواء
من الأهل أو من المجتمع!
ولم يكن أى رجل يجرؤ على مجرد معاكستهن.. أما
كلمة "التحرش" فلم نسمع بحدوثها أو نعرفها!
كان ذلك هو حال المرأة فى العهد الجميل السابق..
فما الذى حدث وأوصل المرأة الى ما وصلت اليه فى العهد الحالى؟
الظلاميون (الجاهليون.. السلفيون.. الوهابيون)..
لهم منهج
تقليدى فى المناقشة.. هو الهروب من مناقشة الموضوع الأساسى وتحويل المناقشة الى
موضوعات ومتاهات فرعية اخرى.. ليس لها فى الأغلب علاقة بالموضوع الأساسى!
وقد إتّبعوا هذا المنهج بنجاح شديد مع المرأة
المصرية.. فبدأوا يكررون ـ طول الوقت ـ أن صوت المرأة عورة..
وشعرها عورة.. وجسمها عورة.. يعنى بإختصار كلها عورة!
(ذُكرت
كلمة "عورة" فى القرآن مرة واحدة فى سور الأحزاب الآية رقم 13.. وجاءت فى
وصف البيوت "... يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ...")
ويحرصون أيضا على
تكرار مقولات مثل: "النساء حطب جهنم" و/أو
"ناقصات عقل ودين" و/أو .. حتى يلتبس الأمر.. ويظن السامعون أن هذه
المقولات وردت فى القرآن الكريم..
ولما
كان "الضى فى الودان اَمَّرْ من السحر" فقد أدّى ذلك الى أن تفقد كثيرات
من النساء الجاهلات وأنصاف المتعلمات ثقتهن بأنفسهن.. وأن تقتنعن أن كل شىء فيهن
عورة.. وأنهن مخلوقات ناقصات عقل ودين وأن مصيرهن جهنم..
وفقد
معهن وربما قبلهن.. الكثيرون من الرجال الجهلة وأنصاف المتعلمين ثقتهم فيهن.. بل
وفقدوا أيضا احترامهم لهن.. ولعل ظهور وانتشار ظاهرة التحرش هو أوضح دليل على ذلك!
(وَبّخْ
ظلامى ممن يسمون أنفسهم دُعاة.. إمرأة تعرضت للتحرش بسؤالها: وانت خرجت من بيتك
ليه؟)
فهل يُمكن أن نعتبر
أن المرأة - بعد كل ذلك - مازالت كائنا حيا محترما.. كما كانت فى العهد الجميل
السابق؟
بالطبع
لا.. والمؤلم أن للظلاميين.. من وراء ذلك.. هدف أساسى.. لا يُناقش ولا يُعلَن عنه
بتاتا.. لذلك فهم يدعون الى خطوات وأهداف فرعية تكميلية أخرى.. تُمَهّد لذلك الهدف
الأساسى.. وتلك الخطوات هى لائحة
الممنوعات والمحظورات التالية.. التى يجب أن تلتزم بها المرأة:
ـ
زواج الفتاة المسلمة لا يجب أن يكون مُقيّدا
بسنها.. ولا ببدء الدورة الشهرية.. ويكفى أن تكون "مربربة".. وتتحمل
الوطء!
ـ
ليس للمرأة حق التعلم أو الدراسة.. ويكتفى بتعليمها القراءة والكتابة داخل بيتها..
إذا كان بالبيت رجلا من محارمها يستطيع ذلك!
ـ
ليس للمرأة حق الخروج من بيتها.. فخروج المرأة من
بيتها مفسدة.. واذا خرجت فللضرورة القصوى.. على أن تكون بصحبة محرم.. وأن
تكون مرتدية نقابا فضفاضا أسود اللون!
ـ
ليس للمرأة حق العمل.. وليس لها حق التواجد فى أماكن العمل المتواجد بها الرجال..
وفى حالة اضطرارها للعمل.. وحتى
تتجنب إثم الخلوة غير الشرعية مع زميل رجل في العمل.. عليها ان تُرْضِع هذا
الزميل.. على أن يلتقم ثديها بفمه مباشرة!
(ظهور شعر المرأة حرام.. أما إلتقام رجل غريب
بفمه لثدى المرأة فهو حلال.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!)
ـ
ليس للمرأة حق الترشح لأى وظيفة أو منصب.. وليس لها حق الإنتخاب!
ـ
لا حدود لحقوق الزوج على زوجته.. وعلى المرأة الطاعة فى كل أمر يصدره زوجها.. مهما
كانت متعبة أو مريضة.. و يظل للزوج الحق فى معاشرة زوجته جنسيا حتى انقضاء ست (6)
ساعات بعد الوفاه!.. (هل سمع أحد بشىء أبشع من ذلك؟!)
ـ
للزوج الحق فى الزواج بأربع نساء دون الحاجة الى تلك البدعة التى تفرض عليه إخطار
باقى الزوجات!
فإذا
لم تكن لائحة الممنوعات والمحظورات البشعة تلك.. هى هدف الظلاميين الأساسى.. فما
هو الهدف إذن؟
إن
هدف الظلاميين الأساسى.. الذى لا يُناقش ولا يُعلَن عنه بتاتا.. أكبر وأخطر وأعَمّ
من كل الخطوات السابقة كثيرا..
الهدف
هو تدمير مصر تدميرا شاملا.. وأول وأهم خطوة من أجل تحقيق ذلك.. أن يتم تدمير
المرأة المصرية.. وتحويلها الى كائن سلبى لا تُرجى منه فائدة!
أنا
لا اُبالغ حينما أقول ذلك.. وعلينا أن نسأل أنفسنا..
هل
يُمكن.. بعد تعرض المرأة لكل تلك السلبيات والسيئات والمهانة .. أن تقوم بتربية
الأبناء والأجيال الجديدة تربية صالحة؟
وهل
يُرجى أى خير أو تقدم لأمة.. نصف مواطنيها وهن النساء لا يُعتبرن أحياء.. ولا
يحظين بأى أهمية أو احترام.. ولا يُمكنهن المشاركة الإيجابية فى أى نشاط ضرورى للتقدم
والتنمية؟
لقد أسعدنى كثيرا فى الأيام الأخيرة.. أن أرى
بداية صحوة وثورة على الأحوال السيئة التى وصلت اليها المرأة المصرية.. وأملى كبير
أن تستمر تلك الصحوة حتى أرى المرأة المصرية.. مرة أخرى.. كما كانت فى العهد
الجميل السابق.. الذى عاصرته!
وأرجو
أن نتنبه جميعا لذلك الخطر الداهم.. وأن لا نستخف به.. وليس أمامنا سوى سبيل واحد
لمواجهته:
أن تعود المرأة المصرية مُعَزّزَة مُكَرّمَة.. وأن
تحظى بالإحترام الكامل والمعاملة اللائقة التى تستحقها..